Home المقالات “فتاة المصنع” …المرأة المصرية بين قيود ذكورية متوارثة وأحلام أنثوية لا تنكسر

“فتاة المصنع” …المرأة المصرية بين قيود ذكورية متوارثة وأحلام أنثوية لا تنكسر

1010
0
SHARE
فتاة المصنع..يحارب غزو سينما”تسليع المرأة”

“فتاة المصنع” .. فيلم يستحق المشاهدة

كتبت: رنيم عفيفى

 كلما سألنا عن السينما هذه الفترة قلما سمعنا إجابة غير ” قرف” و أينما سألنا عن وضع المرأة فى الأفلام مؤخراً ، كثيراً ما تتردد كلمة ” مقزز ”
هذه الكلمات تترجم بإختصار الحال المسيطرة على السينما المصرية مؤخراً حيث إزدادت قتامة الفترة الأخيرة منذ العام 2011 بعد إن إقتصرت الساحة الفنية السينمائية على مجموعة من الأفلام الشعبية عمدت إلى تسليع المرأة بشكل واضح و عادت تظهر بقوة المرأة التى لا سلاح لها إلا جسدها إما من خلال الصور التقليدية للراقصة أو مطربة الكابريهات أو فتاة الليل.

إلا أن النصف الثانى من العام 2013 شهد صعوداً لمجموعة من الأفلام المستقلة التى إما عالجت مجموعة من قضايا المرأة أو تجلت فيها موهبة المخرجات الشابات
و من أبرز ما ظهر : فيلم فيلا 69 للمخرجة أيتن أمين و فيلم هرج ومرج للمخرجة نادين خان و” الخروج من النهار” لهالة لطفى و كذلك فيلم ” عشم ” لماجى مرجان
وأثبتت هذه المخرجات أن المرأة المصرية تشرق معها السينما كلما صاغت و شكلت أفلاماً تحترم العقول، لنتذكر مع هذه الأسماء اسم “عزيزة أمير” أول مخرجة فى العالم بأسره ليس مصر فقط التى قدمت فيلم “ليلى” منذ 87 عاماً  ليكون باكورة أعمال تبرق بأسماء النساء المخرجات و تتألق فى سماء السينما بما تحويه من إبداع.

و لكن على صعيد ” المرأة” كشخصية داخل السياق الفنى فى السينما فالأمر ليس على هذا النحو  بل ويزداد سوءاً مع موجة الأفلام الشعبية التى غزت صالات العرض السينمائى بعد ثورة ال 25 من يناير ، نظراً لتدهور الأوضاع سياسياً و إقتصادياً مما أثر بالتبعية على تراجع الإنتاج السينمائى ليطفو على السطح هذا النمط الذى رسخ للمرأة “الجسد” و “الأداة الجنسية” و للأسف حققت هذه الأفلام إيرادات لتتعقد الأمور أكثر و تزداد وعورة المواجهة مع هذا التوجه ،لكن يظل هناك من يقف فى وجه هذا التيار و يدعم المرأة فى أفلامه و يقدم صورتها الواقعية التى لا تختزلها فى تلك الصورة النمطية وأفضل من قام و يقوم بهذا الدور هو المخرج الكبير ” محمد خان” الذى قدم مراراً المرأة المصرية الحقيقية فى حالات إنكسارها و جسد معاناتها من خلال مجموعة من أفلامه بداية من ضربة شمس مروراً بزوجة رجل مهم و أحلام هند و كاميليا و من ثم  بنات وسط البلد و فى شقة مصر الجديدة و أخيراً فتاة المصنع

 “فتاة المصنع” …المرأة المصرية بين قيود ذكورية متوارثة وأحلام أنثوية لا تنكسر

“فتاة المصنع” من عنوانه ندرك أننا أمام قصة لفتاة من تلك الفئة التى تمر علينا مرور الكرام دون الوقوف على صعوبات حياتهن أو معانتهن اليومية أو حتى قصصهن التى تزخر بحقائق تعرى مجتمعنا وتكشف إنتكاسة واضحة فى حياة المرأة المصرية المطحونة
يبدأ “فتاة المصنع” من قلب مصنع نسيج و وجوه الفتيات العاملات به تطل عليك لترى فى وجوه هذه الفتيات ملامح تجمع بين الفقر و البراءة والكدح و إبتسامة المستضعف القانع بما عليه حالهن
طوال مدة الفيلم التى تقارب الساعتين نظل نتعرف على جانب جديد فى شخصية ” هيام ” فتاة المصنع التى رغم ما تظهره فى أول أحداث الفيلم من خواء داخلى وطموح محدود  يكاد يقتصر على قصة حب بسيطة و زواج مأمول، إلا أنها تثبت فى اَخر الفيلم قوة الفتاة المصرية التى لا يكسرها لا قهر الظروف و لا رجولة زائفة و لا ظلم الرجعية التى تسيطر على قطاع واسع من المجتمع

و مع الفيلم نتنقل فى هدوء بين شخصيات نسائية يجمعهن الفقر و التهميش لنكتشف من خلالهن المعاناة الحقيقة التى تعيشها المرأة المصرية يومياً دون تغيير :
فنجد  أخت هيام .. فتاة صغيرة تعمل فى نفس المصنع الذى تعمل فيه أختها (غير الشقيقة) تجمع الفتاة الصغيرة طلبات الغذاء لعاملات المصنع لتذهب لشراء الطعام و تعود بها فى حقائب و غيرها من بنات سنها يسرن إلى جوارها حاملات حقائب مثلها لكن حقائب ” الكتب” ..
لنرى فى تلك الفتاة الصغيرة حلم “التعليم ” الضائع الذى تحطمه سكاكين الفقر !
تأتى شخصية ” خالة ” هيام لتبوح لنا بسر تلك المرأة المطلقة التى تتألم يومياً ليس فقط من تجربة الطلاق و إنما من تلك الكلمات التى تنطلق صوبها كالسهام من محيطها الأسرى و حتى من إبنتها التى تتشكك فى سلوك أمها بعد الطلاق خاصة مع تأخرها ليلاً لتكون الإبنة أول المعادين للأم المطلقة بدلاً من أن تكون أول المخففين عنها اَلمها .
تلك السيدة المطلقة التى تقضى يومها بين العمل فى سنترال تليفونات و العمل فى المنازل حتى تفى بأغراض إبنتها تصطدم بذلك الرجل الذى يعمل معها بالسنترال الذى لا يراها إلا فريسة يسهل النيل منها مستضعِفاً إياها بعد طلاقها.
لنتحرك من تلك الدوائر الصغيرة إلى تلك الدائرة الكبرى التى تحيط بهيام التى تتمثل فى أحلامها البسيطة بقصة الحب و الزواج من الحبيب لكن الفتاة البسيطة التى لم تمكنها ظروفها من أن تتم تعليمها أو أن تعمل فى مكان أفضل ، تقع بين براثن الرجولة الزائفة التى تجسدت فى ذلك المهندس المشرف الذى يدعى “صلاح” الذى إجتمع معها فى نفس المصنع و لكن لم يجتمع معها فى البراءة والأحلام البسيطة

“صلاح” الذى شيد داخل قلب ” هيام” قصراً من أحلام الحب و الغرام يتركها بين ركام تلك الأحلام ليلقى بها وسط الشائعات التى تنال منها و من شرفها
لتنقلب حياتها رأساً على عقب و يبدأ الشك يساور كل من حولها تجاهها و تنجلى أزمة “الشرف”  فى وسط هذا المجتمع الذكورى الذى حول هيام إلى جانى يستحق الإعدام فى التو و اللحظة


من هنا جدة عجوز تحاول طمس معالم أنوثتها التى رأتها شوهت سمعتها و سمعتهم فتقص شعرها الطويل المنسدل فى لحظة هى الأكثر قسوة على “هيام”
و من هناك  أم  تريد الكشف و التأكد من عذريتها  و زوج أم يكاد ينال منها .. كل هذا فى ظل صمت من قبل هيام ممزوج بالدموع تترقرق فى العينين لا ترسو بخاطرك على بر.
لنكتشف أن “هيام” لازالت ” بختم ربها” كما قالت صديقتها و أن صمتها مبرره فى قلبها
وبرغم كل ما وقع عليها و كل الاَلم الذى عاشته تأبى “هيام” أن تنهى قصتها مغلوب على أمرها كاسفة البال .. لتظهر فراشة تطير تتلون بألوان الحرية ترقص بكل قوة وأنوثة أمام هذا الشخص الذى ظن أنه كسرها لتنتصر عليه فى مشهد حوله من القوى الضاحك إلى الضعيف المضطرب بينما هى فى سماء الأمل عادت تحلق أعلى .
مثل هذه الشخصية تستحق منا الإنحناء أمامها لما قدمته من نموذج رائع للفتاة البسيطة المطحونة فى هذا المجتمع و التى برغم قسوته عليها تستطيع دوماً الإنتصار على جبروته بأملها و عشقها للحياة
و مثل هذا الفيلم يستحق منا المشاهدة مرة و الأخرى و التقدير لصانعيه
و فى النهاية، يظل القادم هو محل السؤال خاصة وأنه على الأغلب سيظهر قريباً فيلم يراهن على جذبه للإيرادات التى بالملايين لتعمده بوضوح “تسليع المرأة”…فهل تنتصر المرأة بقضاياها على شباك التذاكر أم يظل تسليع المرأة هو الأطول نفساً فى سباق السينما !