Home المرأة المسلمة رحلة المرأة المصرية من القميص الفرعونى مروراً بالبرقع وصولاً للعباية والفيزون

رحلة المرأة المصرية من القميص الفرعونى مروراً بالبرقع وصولاً للعباية والفيزون

1846
0
SHARE

على مدى العصور المتعاقبة تطور وتغير الكثير من جوانب حياة المرأة المصرية و ظل المنحنى فى كافة الجوانب ما بين التقدم و التأخر غير متزن وغير منتظم
و برز التغير الأكثر حضوراً فى الأذهان و الذاكرة  فى مظهر المرأة المصرية
فنجد إختلاف مظهرها في كل عصر وزمان عما قبله إلا أنها لازالت تحاول مقاومة الظلامية التى تحاول قوى التطرف و الوهابية التى تسعى دائماً لطمس هوية المرأة المصرية
ففي الدولة الفرعونية كان مظهر المرأة المصرية الشهير يرتبط بحضارة هذا الزمان وحتى اللحظة التى نحن فيها هذا المظهر يمثل رمزاً للحضارة و المرأة القوية التى لم يعرف التاريخ مثلها من بعد
وتغير الوضع فى عصر الفاطميين لترتدى ما يسمى بالحلة ومعناها أن الملابس كلية تطرز إما بالذهب أو الحرير.
و إختلف مظهر المرأة فيما بعد في الدولة العثمانية عندما ظهر اليشمك التركى تأثراً بالثقافة الوافدة علينا  و من ثم مع الإحتلال الفرنسي والبريطانى حتى حلت  ثورة 1919التى كان أثرها على مظهر المرأة الخارجى كما كان على نفسها من الداخل
 وظهر ذلك فى الإنفتاح الذى حدث للمرأة وإستمر حتى منتصف سبيعينيات القرن الماضى حيث عاد المنحنى ينحدر مرة أخرى بعد بدء نهش التيار الوهابي للجسد المصرى
 وكل هذه المراحل وما تبعها من تغيرات في مظهر المرأة المصرية وملبسها أثرت بشكل كبير على دور المرأة بل وكذلك وضعها الإجتماعي وكذلك السياسي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في جميع مجالات الحياه العامة وهذا ما نحاول طرحه فيما يلي:

أولاً: مظهر المرأة في عصر الدولة الفرعونية

          برديات الفراعنة والنقوشات التى بقيت من هذه الحقبة تحكى لنا عن مظهر المرأة الفرعونية آنذاك فنجدها ترتدي زينتها و تتعطر فالمرأة الفرعونية كانت تهتم بالأناقة في ملابسها ومواطن مفاتنها، بالاضافة لذلك فقد تفننت المرأة في تصميم ملابسها بكافة أشكالها سواء البسيطة الضيقة أو الفضفاضة، وتطورت ملابسها لتصبح من قطعتين إحداهما على هيئة قميص داخلي ضيق ورقيق والآخر على هيئة غلالة فضفاضة مفتوحة ينعقد رباطها فوق الثديين ثم تنسدل تلك الغلالة على أحد اليدين وتبدو اليد الأخرى مكشوفة
فى الوقت ذاته ، تظهر لنا البرديات والتاريخ أن المرأة المصرية فى ذلك الزمان لم تتعرض للتحرش بسبب مظهرها ، بل نجدها بلغت أعلى المناصب حتى إعتلت عرش مصر كمثل الملكة ماريت بايت و حتشبسوت ،  فكانت المرأة المصرية أول إمرأة تحكم فى العالم

ثانياً: المرأة المصرية ومظهرها في زمن الفاطميين

مع بداية الحضارة الاسلامية اختلف زي المرأة إختلافاً كبيراً عما كانت فى السابق حيث إنتقلت من خانة التأنق و الإبراز للجمال الجسدى ، إلى الملابس الأكثر حشمة 

لكن المرأة المصرية بطبعها تأبى الإنسلاخ كلياً من أصولها ، لذلك مع الحشمة ظلت تحتفظ بزينتها و كانت هذه الصورة بازغة فى العصر الفاطمى ، حيث كانت المرأة المصرية ترتدى الملابس المحتشمة  مطرزة إما بالذهب أو بالحرير
عصر المماليك ، بالغت فيه المرأةفى العناية بجسدها ومظهرها ، فكانت ترسم الوشم فضلاً عن صبغ الحناء ولبس الخلخال في قدمها وابتعدت قليلاً عن الملبس المحتشم فعرفت وقتها ما يسمى “القنادير” وهى قمصان قصيرة ضيقة وظل هذا الوضع سارياً الى ان أصبحت مصر ولاية تابعة للدولة العثمانية 1517م


ثالثاً مظهر المرأة فى العهد العثمانى

أزياء المرأة المصرية إختلف ما بين الأميرات و عامة النساء
و لكن الأزياء بشكل عام كانت تؤخذ من عاصمة الإمبراطورية العثمانية (اسطنبول)
و كانت الاميرات ترتدى “الليك” وهو عبارة عن رداء يلبس فوق القميص مشقوق من الأمام إلى الذيل مفتوح من الجانبين ويلف حول الخصر حزام من الحرير أو الكشمير
أما نساء العامة فكن يرتدين “السلبة” وهي قميص من الحرير بدون أكمام وفوقها حبرة تغطي الجسم من الرأس الى القدم مصنوع من الحرير لونها أسود وأيضاً البرقع الأبيض للوجه وتحت الحبرة يوجد غطاء مطرز للرأس ، لكن تلك الحقبة كان دور المرأة فيها في الحياة العامة محدود

 
ظهور الملاية اللف

ظل هذا الوضع حتى مطلع القرن العشرين حيث أصبحت ترتدي البرقع المزركش بالترتر والخرز مع الملاية اللف التي كانت تضيق وتقصر حسب رغبة المرأة وكانت التطور الطبيعى للسبلة فى العصر المملوكي وكانت المرأة لابد وأن تزين ساقيها بالخلخال والشبشب ذى الكعب وظلت هكذا حتى ثورة 1919م التي كانت أولى خطوات التغيير من جميع الجهات سواء للدولة أو حتى للمرأة ايضاًو حتى للمرأة داخلياً وخارجياً فيما يخص مظهرها.

 
رابعاً : مظهر المراة بعد ثورة 1919

ظل البرقع هو أحد أبرز أيقونات زى المرأة القومى سواء بين بنات الطبقة العليا أو حتى بنات الطبقات الأقل ، مع اختلاف تطريزه وزركشته إلى ان قامت ثورة 1919 التى اعتبرتها المرأة المصرية بداية لتحررها وخلع البرقع عنها ذلك الذي اعتبرته مثال للقيد والقمع الاجتماعي على المرأة ومانع لحريتها

قبل 1919 و تحديداً فى 1915 أُصْدِرَت مجلة ” مجلة السفور ” ، دعت مقالات كتابها أنذاك إلى تحرير المرأة من خلال السفور و الخروج للحياة العامة و إهتمت بالتأكيد على ان ” المرأة شريكة الرجل”
و لاقت المجلة نجاحاً كبيراً مما أزعج دعاة الإصلاح الدينى لكنه و برغم كل محاولات إفشالها صمدت لمدة عامين ترسخ لقيم المساواة و الخروج المرأة من قيد الملابس التى تخفى ملامحها و تجعلها بمعزل عن المجتمع
وكانت هذه أولى البذور فى حقل تغيير مظهر المرأة و نظرتها لنفسها و لحياتها

 أما أول تحدٍ حقيقى من قبل المرأة فكان بعد الثورة ، عندما وقعت الحادثة الأشهر فى هذا الصدد “خلع البرقع”  بكل جرأة و قامت بها رائدة الحركة النسائية “هدى شعراوي”  فكانت نموذجاً لكثير من السيدات و الفتيات اللاتى إتبعوا نفس نهجها سواء إنتمين للطبقة العليا أوالمتوسطة فى القاهرة، بينما ظلت بنات البلد والسواحل يرتدين الملاية اللف أما الفلاحات فقد تطور الملس الواسع فى الوجه البحرى إلى جلباب ضيق من عند الصدر وله فتحات من جانبى الصدر لسهولة إرضاع الفلاحة لوليدها وواسع بعض الشيء من الأسفل حتى تستطيع العمل والجلوس والنهوض بسهولة

  

مظهر المراة خلال فترة الخمسينيات وحتى منتصف السبعينيات

 

لما قامت ثورة 1952 و تحول الحكم إلى جمهورى بعد الملكية ، و بدأت المرحلة التحررية الفعلية للمرأة
صار صدى المناداة بتعليم المرأة وخروجها للعمل أوسع وأكثر تأثيراً و بالفعل خرجت المرأة المصرية لتمارس حقوقها فى التعليم و العمل فتغير ملبسها عما سبق فنجدها إتجهت إلى الملابس العملية أكثر وإنفتحت على الموضة العالمية متأثرة بها فظهر فى منتصف الستينيات المينى جيب والميكروجيب والفساتين و التنورات القصيرة
فكانت الفتيات يرتدين تلك الملابس القصيرة ويعلقن على أكتافهن حقائب يد أنيقة، كما ظهرت باروكات الشعر مع القليل من المستحضرات وخاصة الكحل واستمرت هكذا حتى أواخر سبعينيات


مظهر المراة فى الثمانينات ودخول الفكر الوهابي لمصر

أواخر سبيعنيات القرن الماضى، جاءت رياح الوهابية تقلب الموازين و تنزغ الهوية المصرية وكان أثرها الأقوى على المرأة المصرية و مظهرها و بدأ يتكرر على مسامع المرأة أنها عورة و أن جسدها عورة و ظهور شعرها وصمة و إنتهى الأمر بإنتشار دعوات إرتداء الحجاب ومن ثم الخمار فالنقاب
لما جاء عقد التسعينيات الذي امتاز بدخول التيار الوهابي لمصر على نطاقات أشد وأوسع
لاقى إرتداء الحجاب رواجاً و قبولاً بين الطبقات الوسطى والفقيرة نتيجة ظهور ما يعرف بالدعاة الاسلاميين عبر الدروس الدينية والبرامج الاذاعية والتلفزيونية
ودخلت مصر العباية الخليجية لتنتشر بين النساء و الفتيات لتكون مصر التى كانت قدوة توجه ثقافات الشعوب هى المتأثر والمحاكى لدول الخليج خاصة السعودية

الفكر الوهابي أثر اكثر واكثر على وضعية حقوق المرأة حيث ظهرت فتاوى جمة تبث فى العقول مزاعم أن المرأة كائن خلق لإفراغ الشهوات و لم تر تلك الفتاوى فى المرأة سوى مصدر المضرات و الإثم
ظل هذا الحال قائماً و زاد بالطبع تشدداً و شدة مع وصول التيار الإسلامى المتطرف للحكم بعد ثورة ال 25 من يناير 2011 ، إلا أن المرأة أبت الإستسلام كلياً للظلاميين وكانت رمانة الميزان فى إسقاطهم فى ال 30 من يونيو 2013

رغم أن الواقع الحالى ، يعكس صورة ضبابية لوضعية مصر التى تأثرت فى بعض المظاهر الخارجية بالثقافة الوهابية إلا أنها داخلياً و فى النفوس لم تتزحزح فيها أصول مصر الحضارية


و قد يلحظ بعضنا أن المرأة المصرية فى السنوات الأخيرة عادت تحاول إستعادة هويتها المصرية و الخروج من قيد المظهر الوافد عليها والتحرر من قيود العقل التى كان يحاول الظلاميين ملئ عقلها بها

إلا أن الظروف الإقتصادية الصعبة التى يعانيها قطاع عريض من المصريين والمصريات، تجعل من المظهر الوهابى أمراً لابد منه نظراً لغلو الملابس النسائية الأنيقة بالمقارنة مع الإسدالات و العبائات .

ختاماً المرأة المصرية ستبقى و تظل هى المرأة المصرية القوية الأبية بغض النظر عن المظهر الذى يتحول بتحول الأزمنة  فالداخل المصرى سيظل عميقاً داخلها لن يحركه أى تغير أو أى تحول .